سيد محمد طنطاوي

364

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( وضَلَّ عَنْهُمْ ) * أي : وغاب عن هؤلاء المشركين ، ما كانوا يدعون من قبل أي : ما كانوا يعبدونه في الدنيا من أصنام وغيرها . * ( وظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ) * أي : وأيقنوا بأنه لا مهرب ولا منجى لهم من العذاب . يقال : حاص يحيص حيصا ومحيصا إذا هرب . وقوله - تعالى - : * ( لا يَسْأَمُ الإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وإِنْ مَسَّه الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ ) * بيان لما جبل عليه الإنسان من حب للمال وغيره من ألوان النعم . ومن ضيقه بما يخالف ذلك . ويبدو أن المراد بالإنسان في هذه الآية وأمثالها جنسه الغالب ، وإلا فهناك مؤمنون صادقون ، إذا رزقهم اللَّه النعم شكروا ، وإذا ابتلاهم بالمحن صبروا . والمراد بالخير ما يشمل المال والصحة والجاه والسلطان وما إلى ذلك مما يشتهى . والسأم : الملل ، يقال سئم فلان هذا الشيء ، إذا مله وضاق به وانصرف عنه . واليأس : أن ينقطع قلب الإنسان عن رجاء الحصول على الشيء ، يقال : يئس فلان من كذا - من باب فهم - ، إذا فقد الرجاء في الظفر به . والقنوط : أن يظهر أثر ذلك اليأس على وجهه وهيئته ، بأن يبدو منكسرا متضائلا مهموما . فكأن اليأس شيء داخل من أعمال القلب بينما القنوط من الآثار الخارجية التي تظهر علاماتها على الإنسان . أي : لا يسأم الإنسان ولا يمل ولا يهدأ من طلب الخير والسعة في النعم . * ( وإِنْ مَسَّه الشَّرُّ ) * من عسر أو مرض * ( فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ ) * أي : فهو كثير اليأس والقنوط من رحمة اللَّه - تعالى - وفضله ، بحيث تنكسر نفسه ، ويظهر ذلك على هيئته . وعبر - سبحانه - بيئوس وقنوط وهما من صيغ المبالغة ، للإشارة إلى شدة حزنه وجزعه عندما يعتريه الشر . ثم بين - سبحانه - حالة أخرى من حالات هذا الإنسان فقال * ( ولَئِنْ أَذَقْناه رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْه لَيَقُولَنَّ هذا لِي وما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ، ولَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَه لَلْحُسْنى . . . ) * . أي : ولئن أعطينا هذا الإنسان الجحود نعمة منا تتعلق بالمال أو بالصحة أو بغيرهما ، من بعد أن كان فقيرا أو مريضا . . . ليقولن على سبيل الغرور والبطر : هذا الذي أعطيته شيء استحقه ، لأنه جاءني بسبب جهدي وعلمي .